السيد الطباطبائي

235

تفسير الميزان

الذي هو الاكل من المائدة السماوية ليحسموا به مادة الحزازة عن اقتراحهم الآية بعد مشاهدة الآيات الكافية فأجابهم عيسى ( ع ) إلى مسألتهم بعد الاصرار . قوله تعالى : " قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين " خلط ( ع ) نفسه بهم في سؤال المائدة ، وبدأ بنداء ربه بلفظ عام فقال : " اللهم ربنا " وقد كانوا قالوا له : " هل يستطيع ربك " ليوافق النداء الدعاء . وقد توحد هذا الدعاء من بين جميع الأدعية والمسائل المحكية في القرآن عن الأنبياء عليهم السلام بأن صدر " باللهم ربنا " وغيره من أدعيتهم مصدر بلفظ " رب " أو " ربنا " وليس إلا لدقة المورد وهول المطلع ، نعم يوجد في أقسام الثناء المحكية نظير هذا التصدير كقوله : " قل الحمد لله " ( النمل : 59 ) وقوله : " قل اللهم مالك الملك " ( آل عمران : 26 ) وقوله : " قل اللهم فاطر السماوات والأرض " ( الزمر : 46 ) . ثم ذكر ( ع ) عنوانا لهذه المائدة النازلة هو الغرض له ولأصحابه من سؤال نزولها وهو أن تنزل فتكون عيدا له ولجميع أمته ، ولم يكن الحواريون ذكروا فيما اقترحوه أنهم يريدون عيدا يخصون به لكنه ( ع ) عنون ما سأله بعنوان عام وقلبه في قالب حسن ليخرج عن كونه سؤالا للآية مع وجود آيات كبرى إلهية بين أيديهم وتحت مشاهدتهم ، ويكون سؤالا مرضيا عند الله غير مصادم لمقام العزة والكبرياء فإن العيد من شأنه أن يجمع الكلمة ، ويجدد حياة الملة ، وينشط نفوس العائدين ، ويعلن كلما عاد عظمة الدين . ولذلك قال : " عيدا لأولنا وآخرنا " أي أول جماعتنا من الأمة وآخر من يلحق بهم - على ما يدل عليه السياق - فإن العيد من العود ولا يكون عيدا إلا إذا عاد حينا بعد حين ، وفى الخلف بعد السلف من غير تحديد . وهذا العيد مما اختص به قوم عيسى ( ع ) كما اختصوا بنوع هذه الآية النازلة على ما تقدم بيانه . وقوله : " وآية منك " لما قدم مسألة العيد وهى مسألة حسنة جميلة لا عتاب عليها عقبها بكونها آية منه تعالى كأنه من الفائدة الزائدة المترتبة على الغرض الأصلي